خلف قرمشته سر.. حكاية بلح الشام من القصر إلى المائدة

خلف قرمشته سر.. حكاية بلح الشام من القصر إلى المائدة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 خلف قرمشته سر.. حكاية بلح الشام من القصر إلى المائدة  

image about خلف قرمشته سر.. حكاية بلح الشام من القصر إلى المائدة

تتميز الثقافة العربية بتنوعها الغني في عالم الطهي، وتأتي الحلويات الشرقية كتاج يزين هذه الثقافة العريقة. من بين عشرات الأصناف التي تفوح برائحة ماء الزهر والشراب السكري (الشربات)، تبرز حلوى "بلح الشام" كأحد أهم المخبوزات المقلية التي تحظى بجماهيرية واسعة. إنها ليست مجرد حلوى، بل هي مرادف للبهجة، والاجتماعات العائلية، والأمسيات الرمضانية الدافئة. تتميز هذه الحلوى بتناقضها الساحر؛ قشرة خارجية مقرمشة ذات لون ذهبي جذاب، وقلب رطب وهش يذوب في الفم، يتدفق منه القطر السكري مع كل قمة.

التسمية والجذور التاريخية: من أين جاء بلح الشام؟

يعود أصل بلح الشام إلى المطبخ العثماني القديم، حيث كان يُعرف في تركيا باسم "تولومبا" (Tulumba). ومع اتساع رقعة الخلافة العثمانية وانتقال الثقافات، استقرت هذه الحلوى في بلاد الشام (سوريا، ولبنان، وفلسطين، والأردن) وتطورت طريقة تحضيرها لتناسب الذوق العربي.

أما عن سر التسمية بـ "بلح الشام"، فالحكاية تعود إلى ذكاء صانعي الحلويات الشاميين. نظرًا لأن شكل القطع المقلية وملمسها الخارجي المضلع يشبه إلى حد كبير ثمار البلح (الرطب)، ونظراً لابتكارها وتطويرها في منطقة الشام، أطلق عليها الناس هذا الاسم الفني الجميل "بلح الشام"، ليصبح بمرور الوقت علامة تجارية مسجلة في قلوب وعقول محبي الحلويات في مصر والعالم العربي.

الهندسة الغذائية لبلح الشام: كيف تصنع العجينة المثالية؟

تعتمد عجينة بلح الشام في الأساس على تقنية فريدة في عالم المخبوزات تُعرف عالمياً باسم "عجينة الشو" (Choux Pastry)، وهي نفس العجينة المستخدمة لصنع الإكلير والبروفترول الفرنسي. تكمن الفكرة في طبخ الدقيق مع الماء والمادة الدهنية على النار قبل إضافة البيض. هذا الطبخ الأولي يساعد على جلتنة النشا في الدقيق، مما يمنحه القدرة على حبس بخار الماء أثناء القلي، وهو السر وراء انتفاخ الحبة وفراغها من الداخل لتصبح هشة وخفيفة.

المكونات الأساسية لبلح الشام البيتي

لتحضير طبق مثالي يكفي العائلة، نحتاج إلى مكونات بسيطة ومتوفرة في كل منزل:

للعجينة:

كوب ونصف من الدقيق الأبيض الفاخر.

كوب وربع من الماء.

ربع كوب من الزيت النباتي أو الزبدة.

3 إلى 4 بيضات كبيرة (حسب حاجة العجين).

ملعقة صغيرة من الفانيليا السائلة (للقضاء على رائحة البيض).

ملعقة كبيرة من النشا (سر القرمشة الطويلة).

رشة صغيرة من الملح وملعقة صغيرة من السكر.

للشربات (القطر السميد):

2 كوب من السكر.

كوب واحد من الماء.

عصرة نصف ليمونة.

ملعقة صغيرة من ماء الورد أو الفانيليا.

خطوات التحضير: دليل خطوة بخطوة للمبتدئين

أولاً: تحضير الشربات (القطر)

من القواعد الذهبية لنجاح بلح الشام أن يكون الشربات ثقيلاً وبارداً. نقوم بخلط السكر والماء في قدر على نار متوسطة حتى الغليان، ثم نضيف عصير الليمون ونتركه يغلي لمدة 7-10 دقائق حتى يتكثف. نرفعه عن النار ونضيف ماء الورد ونتركه يبرد تماماً.

ثانياً: إعداد العجينة (الطبخ على الساخن)

في قدر على النار، نضع الماء، الزيت (أو الزبدة)، السكر، والملح. عندما يبدأ الخليط في الغليان، نضيف الدقيق والنشا دفعة واحدة. نهدئ النار ونبدأ بالتقليب السريع والمستمر باستخدام ملعقة خشبية حتى يتشرب الدقيق كل السوائل وتتكون لدينا كرة عجين ناعمة ومتماسكة لا تلتصق بجوانب القدر. نرفع العجينة ونتركها تبرد تماماً (خطوة ضرورية جداً قبل إضافة البيض).

ثالثاً: مرحلة إضافة البيض

بعد أن تبرد العجينة، نضعها في العجان الكهربائي أو نستخدم المضرب اليدوي. نضيف البيضة الأولى مع الفانيليا ونخفق حتى تختفي تماماً في العجين. نكرر العملية مع البيضة الثانية ثم الثالثة بالتوالي. يجب أن نحصل في النهاية على عجينة ناعمة، قوامها لزج وثقيل، تلتصق باليد قليلاً ولكنها متماسكة.

رابعاً: التشكيل والقلي (السر الأهم)

نضع العجينة في كيس حلواني مثبت به قمع (بلبلة) مضلع خاص ببلح الشام.

ملحوظة سرية: يجب أن يُقص بلح الشام وينزل في زيت بارد تماماً وليس ساخناً.

نضغط على الكيس ونقص العجين بالطول المناسب (حوالي 5-7 سم) باستخدام مقص مدهون بالزيت، ونسقط القطع في الزيت البارد. بعد ملء المقلاة، نضعها على نار متوسطة. عندما يسخن الزيت، سيبدأ بلح الشام بالانتفاخ والطفو على السطح. لا نقوم بتقليبه إلا بعد أن يتشمع ويأخذ قواماً متماسكاً. نستمر في التقليب حتى يكتسب لوناً ذهبياً موحداً ومقرمشاً.

خامساً: التحلية والتقديم

نرفع بلح الشام الساخن من الزيت مباشرة، ونصفيه لثوانٍ معدودة، ثم نسقطه في الشربات البارد والثقيل. نتركه في الشربات لمدة دقيقتين ليتشرب جيداً، ثم نرفعه ونضعه في مصفاة للتخلص من القطر الزائد.

اللمسات العصرية: بلح الشام بحلتّه الجديدة

على الرغم من أن بلح الشام السادة التقليدي يمتلك سحراً لا يقاوم، إلا أن مطابخ الحلويات الحديثة أبدعت في تقديم أشكال ونكهات جديدة ألهمت جيلاً جديداً من عشاق الحلوى. من أبرز هذه التحديثات:

بلح الشام بالكريمة والقشطة: يتم فتح الحبة من المنتصف طوليّاً وحشوها بقشطة بلدي أو كريمة مخفوقة وتزيينها بالفستق الحلبي المطحون.

شوكولاتة نوتيلا ولوتس: غمس أطراف بلح الشام أو حشوه بزبدة اللوتس أو الشوكولاتة الذائبة، مما يمزج بين أصالة الشرق وعصرية الغرب.

بلح الشام بالآيس كريم: صيحة صيفية مبتكرة يتم فيها تقديم بلح الشام الساخن بجانب بولات من آيس كريم الفانيليا المستكة.

نصائح ذهبية لضمان نجاح بلح الشام في كل مرة

إذا كنت تواجه مشكلة في جعل بلح الشام مقرمشاً أو إذا كان يصبح طرياً بعد فترة، إليك الحلول السحرية:

النشا هو الصديق الوفي: إضافة ملعقة من النشا مع الدقيق تمنح العجينة صلابة وقرمشة تدوم لأيام.

تبريد الزيت بين كل دورة وقلي: إذا أردت قلي قِسم ثانٍ من العجين، يجب إطفاء النار وترك الزيت يبرد تماماً أو يصبح دافئاً جداً قبل وضع القطع الجديدة؛ قلوه في زيت ساخن يجعله ينضج من الخارج ويبقى عجيناً نيئاً من الداخل.

كثافة الشربات: الشربات الخفيف (الخفيف مثل شربات البسبوسة) يجعل بلح الشام يمتص رطوبة ويصبح طرياً كالإسفنج، لذا التزم بالقطر الثقيل.

خاتمة

يبقى بلح الشام واحداً من الأيقونات المضيئة في عالم الحلويات الشرقية، فهو يجمع ببساطة بين المكونات الاقتصادية المتوفرة في كل منزل، وبين الفخامة في الطعم والشكل عند التقديم. إن صنع هذه الحلوى في المنزل ليس مجرد عملية طبخ، بل هو طقس عائلي ممتع يملأ البيت برائحة الدفء والذكريات الجميلة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
شهد فتحى فتحى تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

3

متابعهم

1

مقالات مشابة
-